الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

437

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

قهارمها بمنابر الريحان ، وتفاجت لهم - وهاجت لهم - ريح من قبل العرش ، فنثرت عليهم الياسمين والأقحوان ، وذهبوا إلى بابها فيفتح لهم الباب رضوان . ثم سجدوا للَّه في فناء الجنان ، فقال لهم الجبار : ارفعوا رؤسكم فإني قد رفعت عنكم مئونة العبادة ، وأسكنتكم جنة الرضوان ، فإن فاتك يا أحنف ما ذكرت لك في صدر كلامي لتتركن في سرابيل القطران ، ولتطوفن بينها وبين حميم آن ، ولتسقين شرابا حارّ الغليان في انضاجه ، فكم يومئذ في النار من صلب محطوم ، ووجه مهشوم ، ومشوّه مضروب على الخرطوم ، قد أكلت الجامعة كفّه ، والتحم الطوق بعنقه . فلو رأيتهم يا أحنف ينحدرون في أوديتها ، ويصعدون جبالها ، وقد ألبسوا المقطعات من القطران ، وأقرنوا مع فجّارها وشياطينها ، فإذا استغاثوا بأسوء أخذ من حريق شدّت عليهم عقاربها وحيّاتها ، ولو رأيت مناديا ينادي وهو يقول : يا أهل الجنة ونعيمها ، ويا أهل حليّها وحللها ، خلَّدوا فلا موت ، فعندها ينقطع رجاؤهم ، وتنغلق الأبواب ، وتنقطع بهم الأسباب ، فكم يومئذ من شيخ ينادي وا شيبتاه وكم من شاب ينادي وا شباباه وكم من امرأة تنادي وا فضيحتاه هتكت عنهم الستور ، فكم يومئذ من مغموس بين أطباقها محبوس ، يا لك غمسة ألبستك بعد لباس الكتّان ، والماء المبرّد على الجدران ، وأكل الطعام ألوانا بعد ألوان لباسا لم يدع لك شعرانا عما كنت مطمعه إلا بيضه ، ولا عينا كنت تبصر بها إلى حبيب إلا فقأها ، هذا ما أعد اللَّه للمجرمين ، وذلك ما أعدّ اللَّه للمتقين " . وأما قوله عليه السّلام : " وائتلفت الفرقة " ، أي الفرقة الحاصلة بالآراء الفاسدة ، والمذاهب الكاسدة الدائرة في العرب حيث كانوا قبل الإسلام متفرقين في الأهواء ، وكان من عاداتهم الغارات ونهب الأموال والقتل ، فلمّا جاء الإسلام جمعهم الدين ، وهدر كل دم قبل الإسلام ، فصاروا مؤتلفين وإخوانا متحابّين ، فحصل الاتفاق بينهم ، كل ذلك بسبب الرجوع إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السّلام والأخذ عنهم والرّد إليهم ومتابعتهم في الأقوال والأفعال .